محمد نبراس العميسي
ليس المستشفى جدراناً بيضاء، ولا أجهزة تصدر أصواتها الباردة في ممرات طويلة، بل هو في جوهره فكرةٌ عن النجاة، واحتمالٌ أخير يتمسّك به الإنسان حين يضيق الجسد وتخور الروح. وفي هذا المعنى، لا يبدو مستشفى كرى العام مجرد مرفقٍ صحي، بل كياناً يعمل بصمتٍ عنيد، ويكبر خارج ضجيج الادّعاء.
وفي زمنٍ تتآكل فيه المؤسسات، وتشيخ فيه الخدمات قبل أن تبلغ رشدها، شقّ مستشفى كرى العام طريقه بوصفه استثناءً، لا لأنه يملك وفرة الإمكانات، بل لأنه آمن بأن التنظيم فكرة أخلاقية قبل أن يكون إجراءً إدارياً، وبأن الخدمة الصحية مسؤولية إنسانية لا تحتمل التهاون.
على مدى سنوات، لم يكن التطوير في هذا المستشفى حدثاً عابراً أو ردّة فعل طارئة، بل مساراً متواصلاً: تحديث في البنية الإدارية، ضبط في الإجراءات المالية، توسّع مدروس في الخدمات الطبية، واهتمام متزايد بتأهيل الإنسان قبل تحديث المكان. كأن الإدارة أدركت مبكرًا أن الجهاز دون كفاءة بشرية مجرد معدن صامت، وأن الأنظمة دون وعي تتحوّل إلى أوراق بلا روح.
برز التعليم والتأهيل المستمر كواحد من أهم ملامح هذا التحوّل. لم يعد الموظف رقماً في كشف الحضور، بل مشروع معرفة قيد التشكّل. دورات، برامج تدريبية، وأكاديمية داخلية، كأن المستشفى قرر أن يصنع وعيه المهني من الداخل، لا أن يستعيره جاهزاً من الخارج. وفي هذا الرهان على الإنسان، تتبدّى شجاعة نادرة في مؤسسة تعمل وسط ظروف معقّدة.
حتى التفاصيل الصغيرة لم تُترك للصدفة. من تنظيم العمل في العيادات، إلى وضوح الأدوار، إلى الزي الذي يميّز المرشدات الصحيات ويمنح المراجع إحساسًا بالنظام والطمأنينة. فالنظام، في نهاية الأمر، ليس ترفاً إدارياً، بل شكلٌ من أشكال الاحترام.
ما يميّز تجربة مستشفى كرى العام أنه لا يتحدّث كثيراً عن نفسه. يترك الإنجاز يمشي على قدميه، ويدخل غرف المرضى، ويظهر في انسيابية العمل، وفي الثقة التي تتسلل بهدوء إلى قلوب المراجعين. وهنا، تحديداً، يصبح الإنجاز لغةً لا تحتاج إلى ترجمة.
في بلدٍ مثقلٍ بالأزمات، يقدّم هذا المستشفى نموذجاً لما يمكن أن تفعله الإرادة حين تتحالف مع الإدارة، وما يمكن أن يصنعه الإخلاص حين يُمنح فرصة عادلة. ليس لأنه بلغ الكمال، بل لأنه يسير نحوه دون ادّعاء.
وهكذا، يظل مستشفى كرى العام شاهدًا على فكرة بسيطة وعميقة في آن:
أن المؤسسات، مثل البشر، لا تُقاس بما تقول، بل بما تصمد عليه، وتبنيه يوماً بعد يوم.









